الطبق الفاضي

نُشر منذ شهر
حفظ
غلاف المقال

ضحك وقال أيوه. وعرفت منين إن لازم تقول؟ قال ببساطة عشان كنتِ بتقولي إنك مش جعانة، بس عينيكي كانت بتقول إنك جعانة. حضنته. وفهمت وقتها إن أحيانًا الحقيقة لا تحتاج شخصًا ذكيًا ليكشفها تحتاج فقط طفلًا لا يعرف كيف يجامل الكبار. ومن يومها، كلما جلست على سفرة، كان أول شيء أفعله أن أضع طبقي بنفسي. مش عشان الأكل.

عشان عمري ما أسمح لحد تاني يحسسني إن وجودي على السفرة أقل قيمة من أي شخص تاني أكيد، دي نهاية بديلة أقوى ومقفولة بعد ما ظهرت التسجيلات والأوراق، انكشف كل شيء. أخو جوزي كان هو العقل المدبر، وأخويا ساعده تحت ضغط وتهديد، وحماتي كانت عارفة جزءًا كبيرًا من الخطة، وكانت بتحاول تبعدني عن جوزي عشان ما أوصلش للحقيقة. أما عماد، فكان محتفظًا بالأدلة طول السنين لأنه كان وعد أبويا إنه يحميها لحد ما توصل لي.

لكن أكتر حاجة وجعتني ما كانتش الفلوس. كانت الحقيقة اللي اكتشفتها عن نفسي. أنا قضيت سنين أفتكر إن سكوتي ضعف وإن قبولي بالطبق الفاضي كان حفاظًا على بيتي. لكن الحقيقة إني كنت بسمح للناس يقللوا مني كل مرة وأنا ساكتة. بعد انتهاء كل شيء، جوزي وقف قدامي وقال أنا آسف. بصيت له.

على إيه؟ قال على كل مرة شفتي فيها الإهانة وسكت وأنا سكت معاكي. دموعي نزلت، لكني قلت أنا مش محتاجة اعتذار بس. محتاجة أعرف إن ده عمره ما هيتكرر. مسك إيدي وقال مش هيتكرر. أما حماتي، فطلبت مني أقابلها لوحدنا. دخلت عليها. كانت قاعدة قدام سفرة صغيرة، وفوقها طبق مليان أكل. بصت للطبق وقالت أنا حطيته ليكي.

ابتسمت ابتسامة خفيفة. شكرًا. قالت وهي بتبكي عارفة إيه أكتر حاجة بتوجعني؟ إيه؟ إنك كنتِ بتجوعي قدامي وأنا كنت فاكرة إني بكده بحمي ابني. سكتُّ. ثم قلت كنتِ بتخسري ابنك وإنتِ فاكرة إنك بتحميه. بكت أكتر. سامحتها مع الوقت، لكني ما رجعتش أتعامل معاها زي زمان. أما أخويا، فكان اعتذاره أصعب.

لما قابلته، سألته إنت كنت هتخليني أختفي لحد إمتى؟ ما قدرش يرفع عينه في عيني. قال لحد ما الموضوع يخلص. ضحكت بمرارة. الموضوع كان حياتي يا أخويا. ما ردش. ومن يومها، بدأت حياتي تتغير. بطلت أستنى حد يدعوني للسفرة. بطلت أقبل إهانة في شكل هزار. وبطلت أقول مش مشكلة على حاجة كانت بتوجعني. وفي أول جمعة بعدها، جمعت أولادي وجوزي على سفرتنا. حطيت الأكل. وحطيت لكل واحد طبقه. ثم وقفت لحظة قدام طبق فارغ.

مسكته، وبصيت له. وتذكرت كل مرة كنت أقعد فيها قدام طبق زي ده وأنا بجوع وأسكت. ثم حطيته في المطبخ. وقلت الطبق الفاضي مكانه هنا مش على سفرتنا. ابني ضحك. وجوزي ابتسم. وأنا لأول مرة من سنين حسيت إني فعلًا رجعت لنفسي. لأن أكبر انتصار ما كانش إن حماتي اعتذرت.

ولا إن الحقيقة ظهرت. ولا إن الناس اللي ظلموني اتكشفوا. أكبر انتصار كان إني فهمت أخيرًا إن كرامتي مش حاجة حد يديهالي ولا حاجة أطلبها من حد. كرامتي كانت موجودة من البداية، وأنا بس اتعلمت ما أسمحش لحد يحط قدامي طبق فاضي تاني.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
نم

نيمو محمد ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
250مقالًا 0متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة

زواج تحت التهديد روايات

زواج تحت التهديد

الاول فى إحدى القصور الفخمه فى محافظة سوهاج العريقة يقف كالاسد الج,,ريح وبصوت هز جميع أرجا…

نيمو محمد 0.0 24 دقائق
نور بنت بسيطه روايات

نور بنت بسيطه

نور كانت بنت بسيطة جدا من شبرا، أبوها كان سواق ميكروباص بيصحى الفجر يلف طول النهار عشان يج…

نيمو محمد 0.0 11 دقائق
حكايات الصعيد روايات

حكايات الصعيد

«اتهموها في شرفها قدام أهل البلد كلها… لكن قبل ما يمدّوا إيديهم عليها، أبوها …

نيمو محمد 0.0 11 دقائق