لكن اللي محدش كان يعرفه، إن فارس ما كانش جاي بالصندوق بس.
كان مخبي في جيبه جواب صغير، كتبه من أيام، لكنه ما كانش عارف إذا كان الوقت مناسب يديه لمليكة ولا لأ.
وفي آخر النهار، لما الناس مشيت، لقاها واقفة على ضفة النيل، بتتفرج على المياه.
قرب منها وناولها الجواب.
ـ إيه ده؟ سألت وهي بتفتحه.
قال:
ـ كلام كنت عايز أقوله من غير ما أقاطعك كل شوية.
فتحت الجواب، وقرأت:
"يا مليكة...
أنا مش هقول لك إني حبيتك من أول نظرة، لأن أول نظرة بينا كانت اتهام وتهديد، وإنتِ كنتِ مستعدة تكسري راسي قبل ما تسمعي مني كلمتين.
لكن يمكن من أول مرة وقفتي فيها قدامي من غير خوف، عرفت إنك مختلفة.
إنتِ ما دخلتيش حياتي علشان تنقذيني، ولا أنا دخلت حياتك علشان أعوضك عن كل اللي فات.
إحنا الاتنين كنا محتاجين حد يفكرنا إن الماضي مهما كان موجع، مش لازم يحدد شكل المستقبل.
أنا مش بوعدك بحياة من غير مشاكل، ولا ببيت مفيهوش خناقات، لأني عارف إنك لو سكتّي يوم كامل، البلد كلها هتشك إن فيه مصيبة!
لكن بوعدك إني أسمعك، وأحترمك، وأقف جنبك، وأفضل أحاول أكون الشخص اللي تقدري تثقي فيه.
ولو في يوم اخترتي تمشي في طريق بعيد عني، هحترم اختيارك، لأن الحب مش قيد، ولا عمره كان أمر من كبير عيلة.
لكن لو اخترتي تكملي معايا، فأنا عايز أبني معاكي حياة مفيهاش أسرار مستخبية تحت الأرض، ولا أبواب مقفولة، ولا ناس بتقرر مصيرنا بدلنا.
عايز بيت نختلف فيه ونرجع نتصالح، ونضحك فيه على الأيام اللي كنا فاكرين إنها مش هتعدي.
عايزك تختاري يا مليكة، مش علشان أنا فارس الجبالي، لكن علشان أنا فارس اللي عرفتيه بعد ما وقع منه كل اللي كان بيستخبى وراه."
مليكة خلصت قراءة الجواب، وفضلت ساكتة.
فارس وقف جنبها، من غير ما يضغط عليها ولا يطلب منها رد.
بعد لحظات، مليكة طوت الجواب وحطته في شنطتها.
وبعدين بصت له وقالت:
ـ عندي سؤال.
ـ اتفضلي.
ـ إنت كاتب كل ده بإيدك؟
فارس عقد حواجبه.
ـ أيوه. ليه؟
مليكة طلعت الجواب تاني، وبصت فيه بجدية مصطنعة.
ـ أصل الخط وحش جدًا، ومحتاج إعادة كتابة.
فارس فتح بقه بصدمة.
ـ يا بنتي أنا كاتب لك اعتراف كامل!
ضحكت وهي بتجري بعيد عنه.
ـ وأنا بقول لك الخط وحش يا أستاذ!
فارس جري وراها، وهو بيضحك لأول مرة من قلبه من غير ما يكون شايل هم سر أو مؤامرة.
وعلى ضفة النيل، وسط صوت المية والهواء، بدأت حكاية جديدة.
حكاية ما كانش فيها عدو بيستخبى ورا باب، ولا سر مدفون تحت الأرض، ولا حد بيقرر مصيرهم.
كان فيها فارس ومليكة، اتنين اتعلموا بالطريقة الصعبة إن الحقيقة ممكن تكسر القلب، لكنها كمان ممكن تحرره.
---
بعد سنة كاملة...
السرايا القديمة ما بقتش زي زمان.
جزء منها اتحول لمركز لخدمة أهل البلد، وجزء تاني بقى بيت العيلة اللي يجتمعوا فيه من غير خوف ولا تهديد.
محمود استعاد صحته تدريجيًا، وعاصم بقى مسؤول عن متابعة المشروع الزراعي، وأم فارس بدأت تخرج للناس بعد سنين من العزلة.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.