لكن الابتسامة اختفت لما مليكة قالت:
ـ بس خلي بالك يا فارس... أنا لسه مش واثقة فيك.
رد عليها بهدوء:
ـ وأنا مش طالب منك تثقي فيا. أنا طالب منك تفضلي معايا لحد ما نعرف مين اللي كدب علينا.
وبعدها خرجوا كلهم ناحية المزرعة القديمة.
---
المزرعة كانت على أطراف البلد، بعيدة عن البيوت، ومحاطة بأشجار الجميز والنخيل.
الناس كانت بتقول إن المكان ده مسكون، وإن أي حد يقرب منه بالليل يسمع أصوات أطفال بتعيط وسط الخراب.
لكن عاصم كان عارف إن الأشباح الحقيقية مش بتسكن البيوت المهجورة... دي بتسكن ضمير اللي ارتكبوا الجريمة وافتكروا إن الزمن هينسيها.
وصلوا قبل شروق الشمس بشوية.
نزل فارس من العربية، وبص للمبنى المحترق اللي لسه آثار النــ,,ـــــار باينة على حيطانه.
وفجأة، مسك راسه بإيده.
صورة سريعة عدت في ذاكرته.
هو طفل صغير، بيجري وسط المزرعة، وراه طفل تاني بيصرخ باسمه.
صوت رجل بيقول:
ـ خد فارس وامشي يا عاصم!
وبعدها صوت طلقة، وصريخ ست، ونــ,,ـــــار بتطلع من الشبابيك.
فارس وقع على ركبته وهو بيحاول يفتكر.
مليكة جريت ناحيته.
ـ فارس! إنت كويس؟
رفع راسه لها، وعينيه مليانة دموع.
ـ أنا فاكر... أنا فاكر جزء من اللي حصل.
عاصم قرب منه بسرعة.
ـ فاكر إيه يا أخويا؟
فارس بص له وقال:
ـ فاكر إنك كنت شايلني، وإنك كنت بتجري بيا بعيد عن النــ,,ـــــار. بس مش فاكر مين كان بيطاردنا.
عاصم سكت، وبعدها قال:
ـ الراجل اللي كان بيطاردنا هو جابر.
فارس اتجمد.
ـ أبويا؟!
ـ الراجل اللي رباك يا فارس. أيوه، هو اللي كان بيجري ورانا، لكنه ما كانش عايز ي. ك. كان عايز يرجعك للمزرعة، لأنك كنت الدليل الوحيد على اتفاق عمله مع محمود.
مليكة قربت منهم.
ـ أي اتفاق؟
عاصم مشي ناحية المبنى المحترق، وأشار لمخزن صغير في آخر المزرعة.
ـ أبوكي كان شريك جابر في مشروع كبير. كانوا بيزرعوا الأرض وبيجهزوا مخازن للتصدير، لكن في يوم اكتشف محمود إن جابر بيزوّر أوراق ملكية أراضي الفلاحين علشان يضمها للمزرعة.
مليكة قالت بغضب:
ـ وبدل ما يبلغ عنه، سكت؟
عاصم رد:
ـ في الأول سكت، لأنه كان شريك معاه، ولأن فيه عائلات كتير كانت هتضيع لو المشروع وقع. لكنه لما اكتشف إن جابر ناوي يبيع الأراضي لشركة أجنبية بوثائق مزورة، قرر يفضحه.
فارس عقد حواجبه.
ـ وإيه علاقتي أنا بالموضوع؟
عاصم بص له مباشرة.
ـ لأنك كنت الطفل الوحيد اللي شاف جابر وهو بيحــ,,ـــــرق السجلات الأصلية، وكان عندك وقتها صورة من مفتاح المخزن في إيدك. محمود خاف عليك، فقرر يبعدك عن جابر.
مليكة همست:
ـ علشان كده اتبدل طفل بطفل؟
عاصم هز راسه.
ـ مش بالضبط. اللي حصل إن في نفس الليلة، حصل حــ,,ـــــريق في المزرعة، وكان فيه طفلين صغيرين. واحد ابن محمود، والتاني ابن جابر من زوجته الأولى. وسط الفوضى، أم فارس حاولت تنقذ ابنها، لكن جابر أخد الطفل اللي وصل له الأول، وخرج بيه من المزرعة، وهو فاكر إنه ابنه.
فارس بص له بصدمة.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.