أومأت برأسها تجيب بطاعة: — حاضر. صاحت عليها مرة أخرى بحزم: — اخلصي يا يمنى! متتأخريش على أبوكي وعمك، هو انتي لسه هاتفكري وتتمطعي مكانك؟ — قايمة اهو على طول يا أمي والله. قالتها وهي تنهض عن مقعدها بسرعة، مما جعل نجية تتركها وتدلف إلى الداخل. تنفست يمنى صاعدة، ثم همت لتذهب وتعد ما طلب منها، ولكن قبل أن تتحرك وقعت عينيها على ما كانت ترسمه، لتجدها نفس العينان التي تراها في أحلامها منذ فترة.
فحدثتها يمنى وكأنها شيء ملموس وقالت: — طب أقول لأمي إيه؟ أقولها إني بشوف واحد في منامي مش باين منه غير عنيه، وأنا أساسًا معرفوش على الحقيقة؟ أكيد هتقول عليا مجنونة! أكيد! صعدت يمنى إلى السطح بعدما أعدت الشاي كما طلبت منها والدتها لأبيها وعمها الساهران، جالسًا أمام النار التي أشعلها مع أخيه يونس لتعطيهم بعض دفئها وحرارتها.
ألا يكفي للرجل شقاء النهار في عمله وزراعة الأرض ليحرم من النوم ليلًا ويقضي معظمه في حراسة المنزل أيضًا! — يمنى، تعالى يا بابا. قال سالم بعد أن أجفل لرؤيتها وهي تتقدم نحوهم، فخاطبها أيضًا عمها يونس وهو يفرك بيديه أمام النار: — توك واصلة! دا احنا بقالنا فترة مستنين يا بنت أخويا. — معلش يا عمي بس، والنعمة أنا قومت على طول أول ما قالتلي أمي.
قالتها وهي تناول الاثنان كاساتهم من الشاي. يونس وهو يرتشف من الكوب الزجاجي ويتلذذ بمذاق الشاي: — تسلم إيدك يا بت يا يمنى، كوباية عنب تعمر الدماغ بصحيح. قال سالم هو الآخر. يونس وهو يتطلع برأسه حولهم في جميع الأنحاء: — اهي الليالي دي بتبقى عيد للحرامية. أومأ سالم برأسه يوافق أخيه الرأي بغصة مريرة في حلقه وقال: — انت هتقولي؟
يعني مش كفاية التعالب اللي بتنزل ليلاتي تاكل الطيور من داخل بيوتنا، كمان يطلعلنا أولاد الحرام دول ويسـ,ـرقوا البهايم اللي ساترانا احنا وعيالنا! منهم لله، حرموا علينا النومة في قلب بيوتنا. جلست يمنى بجوارهم أمام النار تستمع بتركيز، وأكمل يونس: — أمال لو تعرف إني سمعت من جماعة صحابي من يجي يومين كده أنهم شافوا ديب نازل من الجبل. خرج صوت سالم بنبرة جزعة: — يانهار أسود، دا تلاقيه جاع وملاقاش أكل في منطقته.
استرها علينا يارب، استرها. هم يونس بالرد، ولكن أوقفه هذا الصوت القوي والذي أجفل الثلاثة منتفضين. تكلم سالم وهو يتناول ببندقيته لينهض بسرعة ليتفقد الوضع من سور السطح: — ياساتر يارب! ضـ,ـرب النـ,ـار دا جاي منين! — دا لازم الحرامية نزلوا البلد تاني، دي باينها ليلة مجندلة من أولها، الواحد كان قلبه حاسس. قالها يونس وهو ينهض أيضًا مع أخيه ليتفقدا الطريق المؤدي للجبل والمنازل والطرقات المتفرقة على مرأى أبصارهم.
أردفت يمنى بخوف وهي تقف على مسافة قريبة منهم: — يابويا، تعالى أنزل شوية واعملوا دوريات انت وعمي. سالم وهو بحذر وعينيه تنظر بعيدًا بترقب وتركيز: — انزلي انتي يا يمنى وأتأكدي من قفل الشبابيك والأبواب كويس. همت لتجادل أباها، ولكن مع انطلاق سيل الطلقات النارية مرة ثانية ألجمها الخوف عن الحديث فصمتت تنظر منهم بقلق. — ياساتر يارب، صوت الضـ,ـرب مش راضي يوقف، هو إيه اللي حاصل بالظبط.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.