فأتت الأخرى سريعًا مجفلة على صرخة والدتها: — مالك يا أمى؟ بتندهي ليه؟ ودا بيصرخ ليه دا كمان؟ نجية وهي تربت على كتفه لتهون عليه الألم: — تعالي شوفيه يابنتي! أصله قام فجأة من فرشته وكان عايز يمشي. — أنا مش مأكدة عليك ما تحركش نفسك عشان ما تتأذيش، هاديك حقنة تهدي الألم شويه معاك وتنام بعدها. — شيلي الأكل ده يا أمى. قالت نجية بحزن: — ياعيني عليك يابنى، أنت هاتتحمل ايه ولا ايه بس.
يمنى وهي تغرز الحقنة في المحلول المعلق: — مش وقت ندب دلوقتي يا ماما، شيلي الأكل ده، أنا هقعد هنا جمبه شويه وأراعيه على ما يصحى. — حاضر يابنتي. قالتها نجية ثم رفعت صينية الطعام عن الطاولة وخرجت بها، فجلست يمنى على كرسي قريب منه أشرق الصباح بأنواره وتجلت نعم المبدع بهذه الأصوات الجميلة للعصافير المغردة على غصون الأشجار القريبة من المنزل، تسبح للرحمن في سيمفونية رائعة منظمة بقدرة القادر وحده.
استيقظ هو على هذه الأصوات وانتظر دقائق ليستوعب أين هو! طاف بعينيه في الغرفة الغريبة يعيد تذكرها مرة أخرى ويستعيد ما حدث له في الساعات الأخيرة، وجدها أمامه جالسة ورأسها مائلة على طرف الكرسي وهي في سبات نوم عميق. انتهز الفرصة ليتحقق من ملامحها الجميلة التي تشبه في أفعالها الملائكة قولًا وفعلًا، لا يدري كم مر عليه من الوقت وهو يشبع أنظاره منها ولا يمل.
تحركت رأسها بحركة لا إرادية جعلتها تستيقظ من النوم، تثاءبت وهي تمسح بكفيها الاثنين على وجهها وفردت ذراعيها وبدأت في الاستيقاظ، ولكنها شهقت مفزوعة تنكمش على نفسها خجلًا حينما رأته أمامها بهذه الأعين المتربصة وطيف ابتسامة ماكرة على وجهه، فأردفت بخجل:— صباح الخير، هو أنت من امتى صاحي بالظبط؟ ازدادت ابتسامته عبثية على وجهه دون أن يتكلم، فغيرت السؤال قائلة: — طب انت كويس ولا حاسس بحاجة واجعاك؟
ظل على سكوته المريب مع هذه الابتسامة السمجة المزعجة، مما جعلها تمل فهمت تنهض وتتركه، ولكنه استوقفها: — استني، عندك دقيقة. وقفت مضطرة تستمع لها، ولكنها أجفلها وهو يخرج الورقة من تحت غطائه ويسألها بلؤم: — أي دى؟ وكأن دلوا من الماء البارد سقط على رأسها، فتحت فمها وأغلقته عدة مرات لا تجد إجابة سوى: — ها! يتبع.
الفصل الرابع بقلم: أمل نصر تلجم لسانها عن النطق ببنت شفة وهي لا تجد ما ترد به، فماذا تقول وكيف تختلق حجة تبرر بها وهي تحمل نفسها هذا الخطأ الكبير بنسيانها للصورة وظهورها بهذه الصورة المخزية أمامه، فكيف تأتي بفكرة تكبح بها سيل ظنونه السيئة نحوها؟ — بقولك أي دى؟ ما بتروديش ليه؟
كررها مرة ثانية وكأنها في جلسة تحقيق، فلم تجد أمامها سوى الرد بعفوية لتبدو وكأنها إجابة طبيعية: — اا عادي! دي صورة مرسومة، مالها يعني؟ ردد خلفها بنفس الطريقة: — اا عادي وصورة مرسومة! ومين بقى اللي رسمها إن شاء الله؟ يانهار أسود! هو أنا مش هاخلص. هذا ما حدثت به نفسها بصوت خفيض وهي واقفة لا تدري بما تجيبه.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.