استندت بكفها على سطح المطبخ وهي تنظر ليمنى عن قرب قبل أن تردف: — ما هو لما دخلت عليكي المطبخ ألاقيكي بتكلمي نفسك وسايبة الشاي يغلى وراكي، يبقى ليه لازمة الكلام يا يمنى عشان أعرف ايه اللي مغيرك بالظبط. سارعت يمنى بإطفاء الموقد المشتعل خلفها على براد الشاي لتتناوله وتصب منه في الأكواب الزجاجية على رخامة المطبخ بجوارها وهي تردد: — معلش يا أمى، مكانتش واخدة بالي، معرفش ايه اللي خلاني سرحت عنهم بس.
لاحقتها نجية بنبرة مستخفة: — مكانتيش واخده بالك؟ طب وسعي ياختي عن البوتوجاز، خليني أسخن لقمة للجدع المتصاب جوة ده، وسعي. تركت يمنى ما بيدها والتفتت تنظر لوالدتها بتعجب قبل أن تسألها: — معلش يعني ياامي، هو انتي ليه متعاطفة مع البني أدم دا؟ دا حتى مجرم! التفتت إليها الأخرى تجاوبها بطيبة: — يابنتي أنا حساه ابن ناس وجار عليه الزمن، وحتى لو كان مجرم، مفيش حد بيبقى مجرم كده لوحده.
المهم أنتي ازاي رسمتي عنيه وليه أساسًا ترسميها؟ عاد إليها الشعور بالحرج بعد أن كانت تناسته، فالتفتت ثانية تكمل ما تفعله وتتجاهل الرد على والدتها وهي تردف: — أنا هروح أودى الشاي لأبويا، أحسن يستعجلني. قالت وهي ممسكة بصينية الشاي وخرجت على الفور متهربة من أسئلة والدتها. وعند سالم الذي كان جالسًا على الأريكة الخشب خارج المنزل وهو يتسامر مع جيرانه ويتحدثون عن الليلة الماضية، وسمعاهم لصوت الطلقات النارية الكثيفة، سأل الرجلين الجالسين معه: — يعني على كدة محدش عارف صوت الضـ,ـرب الكتير ده كان جاي منين؟
أجاب الجار سعيد: — الظاهر كده يا أبو محمد إنهم مكنوش حرامية زي كل مرة. وافقه الرأي جاره الآخر والمدعو حميدو: — عندك حق ياسعيد، عشان احنا لحد دلوقتي ما سمعناش عن أي حد في البلد بهيمته اتسـ,ـرقت امبارح. خمن الجار سعيد بفطنته: — يمكن قـ,ـتل، اللهم احفظنا. حد عارف أصلها؟ حاجة غريبة قوي صراحة، وعمر الضـ,ـرب ما حصل في ليلة في بلدنا إلا أما سمعنا بعديها عن السبب بالظبط، لكن إننا نسمع طلق الرصاص دا كله وما نعرفش باللي حصل، دي عمرها ما حصلت!
انقبض قلب سالم مع سماع كلمة قـ,ـتل، وذلك لتذكره هيئة الرجل الغريب أمس والطلقة التي قام بإخراجها بطريقته البدائية والتي تعلمها أبًا عن جد، ولكن ببعض الأدوات والعلاجات الحديثة بمساعدة ابنته. ترى هل كان طرفًا هذا الرجل الغريب فيما حدث أمس، أم كان طرفًا في معركة أخرى؟ حاول أن يبدو طبيعيًا أمام جيرانه لكن الخوف بدأ يزداد بقلبه حينما سمع جاره حميدو وهو يقول: — ربنا يستر وما يكونش حاجة كبيرة وتروح فيها البلد كلها، لأن امبارح ضـ,ـرب النـ,ـار كان كتير قوي.
أجفل سالم من شروده على صوت ابنته يمنى وهي تهتف عليه: — ابويا، الشاي يا بوي. أومأ لها رأسه يحثها على التقدم: — يابنتي بالشاي، مافيش حد غريب، دا عمك سعيد وعمك حميدو. خرجت إليهم وهي تتقدم بصينية الشاي نحوهم، فخاطبها الجار سعيد وهو يتناول كاسته منها: — مش بعاده يعني تغيبي عن المعهد يابنتي؟ دي أول مرة تحصل.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.