فارس سأله:
ـ تقصد مين؟
عاصم بص لمليكة وقال:
ـ أمك.
مليكة رفعت راسها بصدمة.
ـ أم فارس؟!
عاصم هز راسه.
ـ ست هانم مش زي ما إنتوا فاكرين. هي اللي رتبت اختفائي، وهي اللي خلت أبوكي يختفي، وهي اللي خبت عن فارس حقيقة أمه.
فارس صرخ:
ـ أمي ماتت من عشر سنين يا عاصم!
عاصم بصله بذهول.
ـ مين اللي قالك إن أمك ماتت؟!
فارس ما ردش.
لأنه فجأة افتكر يوم جنازة أمه... افتكر إن التابوت كان مقفول، وإن أبوه منعه يقرب منه، وإنه ما شافش وشها آخر مرة.
وفي نفس اللحظة، رن موبايل مليكة.
رقم مجهول.
ردت، وسمعت صوت امرأة بتتكلم بهدوء:
ـ يا مليكة يا بنت محمود... أنا عارفة إنك لقيتي عاصم، وعارفة إن فارس معاكي. عندك عشر دقايق ترجعي بيه السرايا لو عايزة تعرفي أبوكي لسه عايش ولا لأ.
مليكة شهقت.
ـ إنتِ مين؟!
المرأة ضحكت ضحكة قصيرة.
ـ أنا الست اللي فارس فاكرها ماتت من عشر سنين.
وبعدها الخط اتقفل.
فارس خطف الموبايل من إيد مليكة وبص للشاشة، وصوته خرج هامس:
ـ أمي...
لكن عاصم مسك دراعه وقال بسرعة:
ـ استنى! دي مش أمك اللي فاكرها. دي الست اللي كانت السبب في كل اللي حصل.
فارس بص له بعنــ,,ـــــف.
ـ إنت عايز تقنعني إن أمي عايشة، وإن أبويا كداب، وإن كل حياتي كانت تمثيلية؟!
عاصم رد بحزن:
ـ أنا مش عايز أقنعك بحاجة. أنا عايزك تفتكر.
فارس سكت، وحط إيده على راسه، وفجأة بدأت صور قديمة تظهر في ذاكرته.
باب مخزن بيتقفل.
صوت ست بتصرخ.
أخوه عاصم شايله وبيجري بيه وسط المطر.
ورجل واقف عند بوابة السرايا، ماسك سلاحه وبيصرخ:
"لو الطفل ده خرج من هنا، محدش فيكم هيشوف النهار!"
فارس وقع على ركبته، وحط إيده على ودنه.
ـ لأ... لأ... مش ممكن!
مليكة نزلت جنبه، لكنها ما لمستوش، اكتفت إنها قالت بصوت هادي:
ـ فارس... بصلي. إنت مش لوحدك.
رفع عينيه ليها، ولأول مرة من يوم ما شافته، ما كانش فيهم غرور ولا غضب.
كان فيهم خوف طفل صغير اكتشف إن ذكرياته ممكن تكون كدبة.
لكن قبل ما أي حد فيهم يتكلم، سمعوا صوت محركات عربيات جاية من بره المحطة.
عاصم بص ناحية السلم وقال:
ـ وصلوا.
فارس قام بسرعة، وسحب مليكة وراه ناحية ممر جانبي.
ـ هنخرج من الناحية التانية.
عاصم هز راسه.
ـ مفيش ناحية تانية. المحطة كلها محاصرة.
مليكة بصت للمفتاح في إيدها، وبعدها افتكرت كلام أبوها في الجواب.
"أوعي تفتحي الصندوق لوحدك."
لفت ناحية الحيطة، ولاحظت علامة صغيرة مرسومة على الحجر، نفس العلامة اللي كانت محفورة على ساعة الجيب.
ضغطت عليها.
وفجأة، جزء من الحيطة اتحرك، وظهر ممر ضيق.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.