ضحكوا عليها حكايات بسمه

نُشر منذ شهر
حفظ
غلاف المقال

» غادرت نجلاء والموظفتان البهو في مشهد ذليل، يسودهم الخجل والندم، تحت عيون كل النزلاء والعمال الذين تابعوا الموقف في صمت وذهول. التفت حسام لمريم، ونزل بمستواه قليلاً ليقابل عينيها التي لمحت فيهما دموعًا محتبسة حاول كبرياؤها منعها. ابتسم لها بابتسامة دافئة جداً أزاحت كل المرارة التي شعرت بها منذ لحظات. أخذ المحفظة بهدوء وفتحها أمامها، وطلع منها ورقة قديمة مطوية بعناية، وصورة صغيرة لست بسيطة الملامح تشبه مريم في طهرها، وقال بصوت مليء بالشجن: — «مريم.

.. أنا بقالي سنتين باجي كافيه القهوة البلدي كل يوم الصبح. مش عشان القهوة بس، لكن عشان بشوف فيكي وفي العمال اللي هناك الأمانة والراحة اللي افتقدتها من يوم ما أمي ماتت. أمي كانت بتقول لي: "لما الدنيا تضيق عليك، دور على القلوب اللي ما تتشرى بفلوس". والنهاردة إنتِ أثبتِ لي إن كلام أمي حقيقة.

» مريم هزت رأسها ببراءة وقالت بنبرة خافضة: — «أنا ما عملتش حاجة زيادة يا أستاذ حسام... الفلوس تروح وتيجي، لكن لو بعت أمانتي عشان إيجار شقة أو عشان قرشين، مش هعرف أبص لنفسي في المراية، ولا هعرف أواجه ربنا بالكلام اللي أمي علمتهولي.» حسام مسح وجهه بكفه، وكأن كلامها أيقظ فيه قراراً كان يؤجله منذ أشهر.

سحبها بهدوء من يدها نحو مقاعد الصالون الرئيسي الفاخر، ودعا مدير التشغيل ومدير الفندق للوقوف أمامهما. قال حسام بثقة وصوت واضح سمعة كل من في البهو: — «من الليلة دي، كافيه "الخير" القديم اللي بتشتغلي فيه، أنا اشتريت المبنى بتاعه بالكامل الشهر اللي فات وكان نفسي أطوره، بس ما كنتش لاقي الإدارة الأمينة اللي تخاف عليه وتصونه.

ابتداءً من بكرة، الكافيه ده هيبقى ملكك مناصفة معايا، وإنتِ المسؤولة الأولى عن إدارته وتطويره بالمرتب والتأمين اللي يضمن ليكي ولعيلتك حياة كريمة طول العمر.» مريم فتحت عينيها بصدمة، واتسعت عيناها بذهول: — «إيه؟! لا يا أستاذ حسام... أنا ما بقدرش أقبل حاجة زي دي، أنا مش جاية عشان...» قاطعها حسام بابتسامة قوية: — «إنتِ مش جاية تطلبي...

أنا اللي بطلب منك تمسكي المكان ده، لأن المؤسسات الكبيرة دي لو ما كانش على رأسها ناس عندهم أمانة زيك، تقع في لحظة. الفلوس دي مش حسنة يا مريم، ده حقك وتعبك وأمانتك اللي قيمتها عندي أثمن من أي شيء.» ثم التفت لجميع عمال الفندق والنزلاء وأكمل: — «وعشان الكل يعرف، الباب الرئيسي لـ "النيل جراند" مفتوح من النهاردة لأي إنسان شريف، ومفيش حاجة اسمها "باب ورا" للفقراء.

اللي بيحدد قيمة البني آدم هنا هو أصله وأمانته، مش لون هدومه ولا ماركة شنطته!» انطلقت تصفيقات حارة من النزلاء والعمال في البهو، واختلطت الفرحة بدموع مريم التي سقطت أخيراً، ولكنها كانت دموع فخر وجبر خاطر من الله، بعد أن أثبتت للأيام أن الكرامة والأمانة هما الثروة الحقيقية التي لا تشتريها كل أموال العالم.

رجعت مريم إلى بيتها في هذا اليوم، مرفوعة الراس، وهي تمسك بيدك والدتها وتخبرها أن كلمات البساطة والتربية الحلال كانت السلاح الأقوى الذي حطم استعلاء النفوس الضعيفة، ورسخ اسمها بحروف من نور في قلب كل من عرفها. تمت

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
نم

نيمو محمد ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
250مقالًا 0متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة

زواج تحت التهديد روايات

زواج تحت التهديد

الاول فى إحدى القصور الفخمه فى محافظة سوهاج العريقة يقف كالاسد الج,,ريح وبصوت هز جميع أرجا…

نيمو محمد 0.0 24 دقائق
نور بنت بسيطه روايات

نور بنت بسيطه

نور كانت بنت بسيطة جدا من شبرا، أبوها كان سواق ميكروباص بيصحى الفجر يلف طول النهار عشان يج…

نيمو محمد 0.0 11 دقائق
حكايات الصعيد روايات

حكايات الصعيد

«اتهموها في شرفها قدام أهل البلد كلها… لكن قبل ما يمدّوا إيديهم عليها، أبوها …

نيمو محمد 0.0 11 دقائق