وقف حسام أول ما شاف تجمع الموظفين والنزلاء. عينيه اتحركت بين الموجودين لحد ما وقعت على مريم. في البداية استغرب. وبعدين… عرفها. هي نفس البنت اللي بيشوفها كل يوم في الكافيه. البنت اللي كانت بتقدم القهوة بابتسامة واحدة، سواء اللي قدامها راجل عجوز، أو عامل، أو مهندس، أو رجل أعمال. قال حسام: — ممكن أفهم إيه اللي بيحصل هنا؟
المشرفة نجلاء كانت أول واحدة تتحرك. قربت منه بسرعة وقالت: أستاذ حسام! يا أهلاً بحضرتك، نورت الفندق. وبعدين حاولت تضحك: — مفيش حاجة خالص، إحنا كنا بنتصرف. البنت دي دخلت من الشارع وبتقول إنها معاها حاجة، وإحنا ما حبناش ناخد أي مخاطرة خصوصًا إن عندنا حفلة النهارده. حسام بص لها بهدوء.
— كنتوا بتتصرفوا… باحترام؟ الكلمة نزلت على المكان كله زي السكينة. احترام؟ المشرفة ما عرفت ترد. مريم رفعت راسها. عينها قابلت عين حسام، ولسه مش مستوعبة إن الزبون الهادي اللي كانت بتقدمله القهوة كل يوم… هو صاحب الفندق نفسه. بص لها حسام بصوت مختلف تمامًا، أهدى وأدفى: — مريم؟ إنتِ بتعملي إيه هنا؟
وش المشرفة اتجمد. وموظفات الاستقبال لونهم اتغير. مريم مدت إيدها بالمحفظة وقالت: — حضرتك نسيتها امبارح في الكافيه. لقيتها وأنا بقفل، فقولت يمكن أقدر أوصل لك من هنا. حسام أول ما شاف المحفظة… عرفها فورًا. هو كان بيدور عليها طول الصبح. لكن اللي صدمه مش المحفظة. اللي صدمه إن مريم كانت تقدر تاخد مبلغ كان كفيل يحل لها مشاكل كتير شهور… ومع ذلك، اختارت إنها ترجعه.
مد حسام إيده وأخد المحفظة. لكن بدل ما يحطها في جيبه… قفل إيد مريم عليها تاني. وبص لكل الموجودين وقال: — خليها في إيدك شوية. مريم بصت له باستغراب. فقال حسام بصوت واضح: — عايز كل اللي هنا يسمعوا حاجة. حكايات بسمة ساد في أرجاء المكان صمت كأنه قطع من ليل غريب.
تلاشت همهمات الموظفين، وتوقفت خطوط الحركة في بهو الفندق، ووقفت المشرفة نجلاء مذهولة، ينبض قلبها في حلقها، بينما سقطت ملامح السخرية عن وجهي موظفتي الاستقبال كأوراق شجر يابسة. حسام الشاذلي وقف بجسده المرتفع ونظراته الهادئة الحادة التي يراقب بها أدق التفاصيل، ثم نظر حوله بنظرة تجعل أعظم الموظفين يتمنى لو تبتلعه الأرض. رفع صوته المتزن ليردد في البهو الرخامي الشاسع: — «اللي قدامكم دي... شالت حاجة قيمتها عندي أثمن من الفندق ده باللي فيه.
المحفظة دي مش بس فيها أوراق مالية أو فلوس تقدروا تحسبوها بدفاتركم؛ المحفظة دي كان جواها وصية أمي الله يرحمها، والرسالة الوحيدة اللي فاضلة لي بخط إيدها قبل ما تفارق الدنيا، ومعاها عقود تأسيس المكان ده أول ما بدأنا من الزفر.» التفت حسام إلى المشرفة نجلاء التي كانت تحاول ابتلاع ريقها والجفاف يملأ حلقها، وقال لها بنبرة هادئة لكنها تخترق الصدور كالسيف: — «إنتِ والموظفين اللي ضحكوا واستهانوا ببنت بسيطة لمجرد إن ملابسها مش من ماركات غالية، نسيتوا إن الفندق ده ما اتبناش بالرخام والورد الأبيض.
الفندق ده اتبنى بالناس الأسطى والعُمّال اللي زي مريم، الناس اللي عرقوا بشرف عشان يبنوا كل طوبة هنا! لما تمنعوا بني آدم من إنه يمارس أمانته وكبريائه لمجرد إن مظهرة ما يعجبش عقدكم النفسية، يبقى إنتوا المرفوضين مش هي!» حسام التفت فوراً إلى مدير الموارد البشرية الذي كان يهرول من الممر بعد أن تناهى إلى مسامعه صوته، وقال له بأمر قاطع: — «استمارة نهائي خدمة فورية لمدام نجلاء ولموظفتي الاستقبال.
المكان ده لا يتسع لمن يفتقد الأمانة والإنسانية في التعامل مع الناس، أيًا كان مظهرهم!» ارتفع صوت نجلاء بشهقة رجاء وهي تحاول الاقتراب: — «يا حسام بيه! أنا آسفة جداً، أنا ما كنتش أعرف إنها تقرب لحضرتك أو إنها تعرفك من الكافيه...» قاطعه حسام ببرود صلب: — «وهو الاحترام عندك بيتقدم بس للي تعرفيهم يا مدام؟ الاحترام حق لكل إنسان بيدخل المبنى ده، من الباب القدامي مش الباب اللي ورا! اتفضلي لمي حاجتك.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.