قالت بصوت نبرته اهتزت لأول مرة، ممتزجة باستنكارات حادة أنت اتجننت؟! أنت عارف يعني إيه تمزق شيك بنص مليون جنيه وأنت على بعد أيام قليلة من الإفلاس وطردك من الورشة دي؟! أنت فاكر نفسك بطلاً في مسلسل؟! قربت من ترابيزة الشغل، وسندت إيديا ببطء على البنك الخشب القديم اللي كان أبويا جلال بيقعد عليه.
بصيت في عينيها بثبات وقربت مني نبرة صوتي العامة، هادية بس طالعة من قاع القلب يا ست كامليا… البنك الخشب ده، أبويا جلال أورتيجا قعد عليه 20 سنة. كان يدخل عليه الراجل اللي معاها ألوف والراجل اللي جيبه فاضي، وعمره ما بخل بالصنعة ولا بالرحمة على حد. الشيك بتاعك ده مش ينقذ ورشتي… ده يدفن اسم أبويا تحت الجزمة.
أنا ميكانيكي آاه، وديوني للبنك خنقاني، بس أورتيجا ما بياخدش تمن الجدعنة فلوس، وما بيبيعش شرفه عشان شوية أوراق مالية! كامليا لمّت أوراقها بارتباك شديد، وعدلت جاكيت بدلتها الرمادي، وقالت وهي بتحاول تسترد قناع البرود أنت بتلعب لعبة أكبر منك يا سيف. أبويا راجل كبير ومريض، والشركة اللي بناها أنا اللي بصلح قراراته فيها دلوقتي.
لو جيت ناحية شغل الشركة أو حاولت تستغل طيبة أبويا تاني… أنا مش هكتفي برفض الشيكات، أنا هسحب رخصة الورشة دي بالكامل بالقانون! رديت بابتسامة خفيفة مليانة ثقة القانون على الكل يا مديرة… وأنا ما طلبتش حاجة من أبكي. هو اللي جالي ورشتي. والباب اهو مفتوح… اتفضلي من غير مطرود، المطر بره أرحم بكثير من القسوة اللي جوه قلبك.
خرجت كامليا بخطوات سريعة، ورزعت باب عربيتها الفخمة السودا، وغادرت المنطقة الصناعية كأنها بتهرب من مكان بيذكرها بحاجة نسيتها من زمان… الكرامة. بعد ساعتين بالظبط… كانت الشمس بدأت تغيب، وتعمل ظلال طويلة على حيطان الورشة. كنت قاعد على الكرسي الخشبي، ماسك الملاحظة القديمة اللي أبويا كتبها قبل ما يتوفى بيومين في المستشفى.
كانت الورقة صفراء ومكرمشة، مكتوب فيها بخط إيده الضعيف يا سيف يا بني… لو الدنيا ضاقت بيك والورشة وقفت، ادور على الشيفروليه الخضرا ورقم الشاسي 408… هناك هتلاقي السر اللي يرجعلك حكايتنا من أولها. طوال 7 سنين، كنت فاكر إن أبويا بيخرف من أثر المرض، أو إن العربية دي مجرد حلم قديم من أحلام الشباب اللي ما كملتش.
لكن لما عم رجب ظهر بالعربية الشيفروليه الخضرا في المطر… كل حاجة في دماغي اتغيرت بدأت تتجمع زي مكعبات الدومينو. في اللحظة دي، سمعت صوت موتور آشنا جدًا! بصيت بره… لقيت العربية الشيفروليه الخضرا بتهدي وبتدخل ساحة الورشة. نزل منها عم رجب، لابس جلابيته الصوف الثقيلة، وماسك في إيده عصاية خيزران أبنوس. كان وجهه هادي، وعينيه مليانة طيبة وحكمة السنين. دخل الورشة ونظر للترابيزة، ولمح بقايا الشيك الممزق المرمي في الزبالة.
ابتسم عم رجب ابتسامة دافية وقعد على البنك الخشبنفس البنك اللي محدش كان بيقعد عليه غير أبويا! قال بصوت عميق كامليا جتك هنا… صح يا سيف؟ قعدت قدامه وقلت جت يا عم رجب… وكانت فاكرة إن الجدعنة ليها سعر في سوق السيارات. تنهد عم رجب تنهيدة طويلة طلعت من وجع سنين، وقال كامليا بنتي… الدكاترة والجامعات الأجنبية علموا مخها يسوق الشركات، بس نسوا يعلموا قلبها يسوق البني أدمين.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.