ضحكوا على لبسها

نُشر منذ شهر
حفظ
غلاف المقال

مش بس لأنه اكتشف إنها شاطرة في الحسابات، لكن لأنه من أول لحظة دخل فيها الأوضة كان فيه شيء في هدوئها، وثقتها رغم الإهانة، وطريقة دفاعها عن نفسها من غير ما تقلل من حد شد انتباهه. وسارة لسه ما كانتش تعرف إن المقابلة اللي دخلتها وهي فاكرة إنها فرصة شغل عادية كانت هتغير حياتها بالكامل. أحمد قفل باب المكتب الخشبي التقيل ببطء، والصمت حلّ في المكان.

سارة كانت واقفة جنب الكرسي الجلد، ماسكة الشنطة القماش البسيطة بإيديها الاتنين، وإيديها بتترعش رمشة خفيفة من رهبة الموقف ومن الجوع اللي بدأ يقرص في معدتها. أحمد شغل التكييف، وشاور لها تقعد: اتفضلي اقعدي يا آنسة… سارة، صح؟ سارة قعدت على طرف الكرسي بثبات حاول يغطي على تعبها: تمام يا فندم… سارة محمود.

أحمد قعد قدامها على المكتب، حط ملف الحسابات بينه وبينها، ورفع عينيه الرمادية الصافية وبص لوشها الشاحب، وبعدين نزلت عينيه لكمّ الجاكت المرقع بغرز صغيرة متقنة. ابتسم ابتسامة خفيفة مليانة احترام وقال بصوت دافي هادي: أولاً… أنا بعتذر لك جداً عن الطريقة السخيفة اللي اتعاملتي بيها بره. الشركة دي أبوي رحمة الله عليه بناها على العرق والأصول، مش على المظاهر الكدابة والساعات الدهب.

سارة حست بغصة في حلقها، بس رفعت راسها وابتسمت بكبرياء: حصل خير يا فندم. أنا مش زعلانة عشان لبسي، أنا جاية أشتغل بعقلي ومجهودي، والمظاهر عمرها ما كانت معيار للشاطر. أحمد هز رأسه بإعجاب واضح، النظرة دي في عينيها ذكّرته بأبوه لما كان بيحكي له عن العمال اللي بيحرثوا الأرض في مزارع البن في الصعيد، ناس قلوبهم أصفى من الدهب وكرامتهم فوق كل شيء.

مسك أحمد القلم وقال: نرجع للأرقام… إنتِ اكتشفتي الفرق ده في أقل من عشر دقائق من قراية الورق، إزاي؟ سارة قربت بكرسيها شوية، ومدت صباعها على الجداول الأسبوعية: حضرتك، ده حساب توريد المحصول من مزارع البن الخاصة بشركتكم. الجدول الأولاني بيوضح إن المزارعين سلموا 12 طن، بس القيمة المصروفة لهم متسجلة على إنهم سلموا 9 طن بس! الـ 3 طن الفرق دول قيمتهم السوقية في السوق الحرة بالضبط 182 ألف جنيه.

وده معناه حاجة من اتنين يا إما المزارعين بيتسرقوا في أوزانهم، يا إما الفلوس بتخرج من خزنة الشركة باسم المزارعين وبتدخل في جيب حد تاني هنا في الإدارة! أحمد عينيه وسعت، ونبرة صوته اتغيرت للجدية التامة: وإنتِ عرفتي منين أسعار التوريد وزيادة السوق؟ سارة ابتسمت بذكاء: أنا أبويا كان فلاح يا فندم، وقبل ما يتوفى، كان بيزرع أرض صغيرة.

أنا متربية بين المحاصيل وعارفة يعني إيه فلاح يشقى طول السنة وفي الآخر يترمي له القشور. وأول ما قريت بنود اختبار التوظيف، لقيت الأرقام مش منطقية، الفلاحين دول يتخرب بيتهم بالشكل ده! أحمد اتسند على كرسيه، وبص لسارة وهو حاسس إن ربنا بعت له الست دي في الوقت المناسب بالضبط.

كان راجع من أوروبا بعد وفاة أبوه عشان يمسك الشركة، وكان عارف إن فيه فساد كبير بياكل في أركان المزارع، بس ما كانش عارف يمسك الخيط منين لأن كل الإداريين كانوا متواطئين مع بعض. أحمد: سارة… إنتِ جاية تقدمي على وظيفة مساعد إداري بمرتب 6 آلاف جنيه… صح؟ سارة هزت رأسها: أيوه يا فندم، والمرتب ده بالنسبة لي ولأمي وإخواتي يحل مشاكل كتير جداً.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
نم

نيمو محمد ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
253مقالًا 0متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة

زواج تحت التهديد روايات

زواج تحت التهديد

الاول فى إحدى القصور الفخمه فى محافظة سوهاج العريقة يقف كالاسد الج,,ريح وبصوت هز جميع أرجا…

نيمو محمد 0.0 24 دقائق
نور بنت بسيطه روايات

نور بنت بسيطه

نور كانت بنت بسيطة جدا من شبرا، أبوها كان سواق ميكروباص بيصحى الفجر يلف طول النهار عشان يج…

نيمو محمد 0.0 11 دقائق
حكايات الصعيد روايات

حكايات الصعيد

«اتهموها في شرفها قدام أهل البلد كلها… لكن قبل ما يمدّوا إيديهم عليها، أبوها …

نيمو محمد 0.0 11 دقائق